!..أسـيرة جـرح..!
05-29-2007, 04:57 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ *
[رواه البخاري]
والتابعيُّ اليوم هو إياسُ بن معاوية المزني .
وردَ اسمُ إياس في بيت شعر للشاعر أبي تمَّام حينما مدح أحمد بن المعتصم ، و البيت مشهور جدًّا ، قال :
***
إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
***
كان إياس بن معاوية مِن أذكى العرب ، وكان مِن أشدِّهم حِلمًا الأحنفُ ، ومِن أكثرهم سخاءً حاتمُ ، و من أشدِّهم شجاعة عمرو :
***
إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
***
وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذا التابعيِّ الجليل ، لا بدَّ أن نقف وقفةً عند الذكاء ، والحقيقة أنّ الذكاءُ قيمة كبيرة جدا ، إلا أنه وحده ربَّما كان مدمِّرا لصاحبه ، لأنّ الذكاء يشبه اندفاعا شديدا ، فإذا لم يوجد سياجٌ من القيم ، ولا توجد مبادئ ، و لا توجد استنارة بنور الله عزوجل فهذا الذكاء يكون شؤما على صاحبه ، ألم تسمعوا في الأدعية الشريفة : اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم .
أيها الإخوة ؛ قليل من التوفيق خيرٌ من كثير من الذكاء :
***
ولو كانت الأرزاقُ تجري مع الحِجا هلكْنَ إذًا من جهلهن البهــائمُ
***
الذكاء قيمة عالية جدا ، و لكن الذكاء وحده لا يكفي ، لا بدَّ من الهدى ، ولا بدَّ من أنْ يستنير الإنسانُ بنور الله ، لا أملك إلا هذا المثلَ الدقيق جدًّا ؛ هذه العينُ لو أن أحدا فحص عينيه عند طبيب العيون ، فكانتا في أعلى درجات الحساسية ، والرؤية : 12/10 ، ولم يكن هناك مصباح يتوسَّط بينك وبين المرئي ، فالعينُ لا قيمة لها ، و كذلك العقل ، إن لم يكن هناك هدًى يتوسّط بين العقل وبين الأشياء فالعقلُ لا يرى ، قال تعالى :
[سورة المدثر]
العقل وحده قد يطغى ، وأكبر دليل العالَمُ الغربي ، هذا العالَم يكاد يكون عقلا فقط ، وهذا العقل توصَّل إلى تدمير الحياة الاجتماعية ، وتدمير البنية الأساسية ، و هي الأسرة ، فالإنسان عقل وقلب ، وعقيدة ومصالح ، فحينما تطغى المصلحةُ على العقيدة ، ربما كان تدميرُ الإنسان في تدبيره ، أما في عالَم الحيوان فأذكى الحيوانات على الإطلاق أكثرُها حقارةً ، فالقوارض من أذكى الحيوانات ، وإذا كان الإنسان ذا عقل راجح فهذا من نِعَم الله الكبرى ، لكن عقلَه الراجح من دون طاعة لله عزوجل هذا شؤم على صاحبه ، وبالعكس ، فالعقلُ من دون هدى أداةٌ انهيار وتدمير ، وهل الحربُ الحديثة كما يقول العلماءُ إلا حربٌ بين عقلين ، وعلى كلًّ نعمةُ العقل كبيرةٌ ، وربُّنا عزوجل يقول :
[سورة الفتح]
ومن تمام النعمة أن يكون العقلُ والإيمانُ متكاملين ، أن يكون العقلُ والخلقُ متكاملين ، وسيدنا عمرُ بن عبد العزيز بات ليلةً قلقا مسهَّدا ، لم يُغمَض له جفنٌ ، لماذا ؟ قال :"كان يشغله في تلك الليلة من ليالي دمشق أمْرُ اختيارِ قاضي البصرة ، و الحقيقة أن الإنسان إذا أوتيَ مقاليدَ الأمور فأخطرُ أعماله أن يختار مساعديه ، هذه أخطر أعماله ، وسيدنا عمر يقول : " أريد أميرا، إن كان أميرا بدا وكأنَّه واحد من أصحابه ، و إن كان واحدا من أصحابه بدا و كأنه أميرٌ" ، أي من شدَّة غيرته على مصالح الأمة لو كان يكن أميرا بدا وكأنه ليس بأمير ، ومن شدَّة تواضعه لو كان أميرا بدا وكأنه واحد منهم ، يريد هذا الخليفةُ الراشد والخامس كما يقولون أن يختار قاضيًا للبصرة ، يقيم بين الناس موازين العدل ، و يحكم فيهم بما أنزل الله ، و لا تأخذه في الحق رهبةٌ و لا رغبة ، وقع اختيارُه على رجلين كفرسيْ رِهان ، فقهًا في الدين ، وصلابةً في الحق، وورعًا في السلوك ، ووضاءةً في الفكر ، وثقوبًا في النظر ، وكلمَّا وجد لأحدهما مزيَّةً ترجِّحه على صاحبه ألفى في الآخر مزية يقابل بها تلك المزية ، فلما أصبح دعا واليَ العراق عديَّ بن أرطأة ، وكان يومئذٍ عنده في دمشق ، وقال له : يا عديُّ اجمع بين إياسٍ بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الحارثي ، وكلمِّهما في أمر قضاء البصرة ، وولِّ أحدهما عليه، فقال : سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين ، وكما قلتُ قبل قليل : أخطرُ أعمال من أوتيَ مقاليد الأمور أن يختار مساعديه ، من الأكفاء ، الأكفاء جمعُ كفء ، أحيانا يتفاصح بعضُ الأشخاص يقول : من الأكفياء،الأكفياء جمع كفيف ، والكفيف من فَقَدَ بصرَه ، والكفء جمعه أكفاء ، والكفيف جمعه أكفَّاء ، والأكفاء جمع كفء ، جمعَ عديُّ بن أرطأة بين إياس والقاسم ، وقال : "إن أميرَ المؤمنين أطال اللهُ بقاءه أمرني أن أُولِّيَ أحدكما قضاءَ البصرة ، فماذا تريَانِ ؟ قال كلٌّ منهما عن صاحبه: إنه أولى منه بهذا المنصب " تصوَّر تبدُّلَ القيم ، العرب كانوا في تألُّقهم يقولون : المنيةُ ولا الدنيَّة، و العربُ في تخلُّفهم قد يكون لسانُ حالهم : الدنيةُ ولا المنية ، لذلك أحد الشعراء دخل السجن لأنه قال بيتًا عُدَّ أهجى بيتٍ قالته العربُ ، قال الحطيئة :
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها و اقعُدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي
وقد يكون هذا أمنيةَ كل إنسان ، وعلى كلٍّ كان كلٌّ منهما يثني على صاحبه و يقول : إنه أولى بهذا المنصب منه ، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء اللهُ أن يذكر ، فقال عديُّ :" لن تخرجا من مجلسِي هذا حتى تحسما هذا الأمرَ ، فلا بد من أُولِّيَ أحدَكما ، فقال له إياسُ : أيها الأمير سَل عني وعن القاسم فَقِيهَي العـراق الحسنَ البصري ومحمد بن سيرين ، فهما أقدرُ الناس على التمييز بيننا " ، كان القاسمُ يزورهما ويزورانه ، و إياسٌ لا تربطه بهما رابطةٌ ، أي هناك علاقة بين القاسم و بين هذين التابعيين ، فلذلك قال له : اسأل عنا هذين التابعين ، فهما يزكِّيان ، فَعَلِمَ القاسمُ أن إياسًا أراد أن يورِّطه في هذا المنصب ، قال : أيها الأمير لا تسل أحدا عني ولا عنه ، أيها الأمير فواللهِ الذي لا إله إلا هو - أقسم - فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّ إياسًا أفقه مني في دين الله ، وأعلم بالقضاء ، فلا تسأل ، أنا أقسم لك ، فإن كنتُ كاذبا في قسمي فما يحلُّ لك أن تولِّيني القضاءَ ، وأنا أقترف الكذبَ ، وإن كنتُ صادقا في قسمي فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول " ، هذا كلام ليس له جواب ، أنا أقسم بالله أن إياسا أفضلُ مني ، وإن كنتُ كاذبا لا ينبغي أن تولِّيني القضاءَ لأني اقترفتُ جريمة الكذب ، وإن كنتُ صادقا لا يجوز لك أن توليني بعد أن ثبت لديك أنه أفضلُ مني ، فالتفت إياسٌ إلى الأمير ،وقال : أيها الأمير - اسمعوا الجوابَ الثالث - قال : إنك جئتَ برجل و دعوتَه إلى القضاء فأوقفتَه على شفير جهنم - ولقد صحَّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ *
[رواه الترمذي]
وقد جعل أحدُهم تعديلا للحديث فقال : قاضيان إلى النار و قاضٍ إلى جهنم ، لا يوجد أحد ، قال : " أيها الأمير إنك جئت برجل ودعوتَه إلى القضاء و أوقفتَه على شفير جهنم ، فنجَّا نفسه منها بيمين كاذبة لا يلبث أن يستغفر اللهَ منها ، و ينجو بنفسه مما يخاف ، فقال له عديُّ : إنما يفهم مثلَ فهمك هذا لجديرٌ بالقضاء ، حريٌّ به ، ثم ولاَّه قضاءَ البصرة " انظُروا إلى هذا التعفُّف عن ذاك المنصب .
سألوا واحدا كاذبا : تحلفُ اليمين ، فقال : جاء الفرَجُ ، أحلف طبعا ، فالإنسان أحيانًا يلاحظ تغيُّرا شديدا في القيم بين الماضي والحاضر.
.
لازال هناك الكثير من سيرة هذا التابعي الجليل!!!!!!!!!!!!!!!!!
في انتظار ردودكم
دمتم في حفظ الله
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا لا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علَّمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقًّا ، وارزقنا اتِّباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس من دروس سير التابعين رضوان الله تعالى عليهم ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ *
[رواه البخاري]
والتابعيُّ اليوم هو إياسُ بن معاوية المزني .
وردَ اسمُ إياس في بيت شعر للشاعر أبي تمَّام حينما مدح أحمد بن المعتصم ، و البيت مشهور جدًّا ، قال :
***
إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
***
كان إياس بن معاوية مِن أذكى العرب ، وكان مِن أشدِّهم حِلمًا الأحنفُ ، ومِن أكثرهم سخاءً حاتمُ ، و من أشدِّهم شجاعة عمرو :
***
إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ
***
وقبل أن نمضيَ في الحديث عن هذا التابعيِّ الجليل ، لا بدَّ أن نقف وقفةً عند الذكاء ، والحقيقة أنّ الذكاءُ قيمة كبيرة جدا ، إلا أنه وحده ربَّما كان مدمِّرا لصاحبه ، لأنّ الذكاء يشبه اندفاعا شديدا ، فإذا لم يوجد سياجٌ من القيم ، ولا توجد مبادئ ، و لا توجد استنارة بنور الله عزوجل فهذا الذكاء يكون شؤما على صاحبه ، ألم تسمعوا في الأدعية الشريفة : اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم .
أيها الإخوة ؛ قليل من التوفيق خيرٌ من كثير من الذكاء :
***
ولو كانت الأرزاقُ تجري مع الحِجا هلكْنَ إذًا من جهلهن البهــائمُ
***
الذكاء قيمة عالية جدا ، و لكن الذكاء وحده لا يكفي ، لا بدَّ من الهدى ، ولا بدَّ من أنْ يستنير الإنسانُ بنور الله ، لا أملك إلا هذا المثلَ الدقيق جدًّا ؛ هذه العينُ لو أن أحدا فحص عينيه عند طبيب العيون ، فكانتا في أعلى درجات الحساسية ، والرؤية : 12/10 ، ولم يكن هناك مصباح يتوسَّط بينك وبين المرئي ، فالعينُ لا قيمة لها ، و كذلك العقل ، إن لم يكن هناك هدًى يتوسّط بين العقل وبين الأشياء فالعقلُ لا يرى ، قال تعالى :
[سورة المدثر]
العقل وحده قد يطغى ، وأكبر دليل العالَمُ الغربي ، هذا العالَم يكاد يكون عقلا فقط ، وهذا العقل توصَّل إلى تدمير الحياة الاجتماعية ، وتدمير البنية الأساسية ، و هي الأسرة ، فالإنسان عقل وقلب ، وعقيدة ومصالح ، فحينما تطغى المصلحةُ على العقيدة ، ربما كان تدميرُ الإنسان في تدبيره ، أما في عالَم الحيوان فأذكى الحيوانات على الإطلاق أكثرُها حقارةً ، فالقوارض من أذكى الحيوانات ، وإذا كان الإنسان ذا عقل راجح فهذا من نِعَم الله الكبرى ، لكن عقلَه الراجح من دون طاعة لله عزوجل هذا شؤم على صاحبه ، وبالعكس ، فالعقلُ من دون هدى أداةٌ انهيار وتدمير ، وهل الحربُ الحديثة كما يقول العلماءُ إلا حربٌ بين عقلين ، وعلى كلًّ نعمةُ العقل كبيرةٌ ، وربُّنا عزوجل يقول :
[سورة الفتح]
ومن تمام النعمة أن يكون العقلُ والإيمانُ متكاملين ، أن يكون العقلُ والخلقُ متكاملين ، وسيدنا عمرُ بن عبد العزيز بات ليلةً قلقا مسهَّدا ، لم يُغمَض له جفنٌ ، لماذا ؟ قال :"كان يشغله في تلك الليلة من ليالي دمشق أمْرُ اختيارِ قاضي البصرة ، و الحقيقة أن الإنسان إذا أوتيَ مقاليدَ الأمور فأخطرُ أعماله أن يختار مساعديه ، هذه أخطر أعماله ، وسيدنا عمر يقول : " أريد أميرا، إن كان أميرا بدا وكأنَّه واحد من أصحابه ، و إن كان واحدا من أصحابه بدا و كأنه أميرٌ" ، أي من شدَّة غيرته على مصالح الأمة لو كان يكن أميرا بدا وكأنه ليس بأمير ، ومن شدَّة تواضعه لو كان أميرا بدا وكأنه واحد منهم ، يريد هذا الخليفةُ الراشد والخامس كما يقولون أن يختار قاضيًا للبصرة ، يقيم بين الناس موازين العدل ، و يحكم فيهم بما أنزل الله ، و لا تأخذه في الحق رهبةٌ و لا رغبة ، وقع اختيارُه على رجلين كفرسيْ رِهان ، فقهًا في الدين ، وصلابةً في الحق، وورعًا في السلوك ، ووضاءةً في الفكر ، وثقوبًا في النظر ، وكلمَّا وجد لأحدهما مزيَّةً ترجِّحه على صاحبه ألفى في الآخر مزية يقابل بها تلك المزية ، فلما أصبح دعا واليَ العراق عديَّ بن أرطأة ، وكان يومئذٍ عنده في دمشق ، وقال له : يا عديُّ اجمع بين إياسٍ بن معاوية المزني والقاسم بن ربيعة الحارثي ، وكلمِّهما في أمر قضاء البصرة ، وولِّ أحدهما عليه، فقال : سمعا وطاعة يا أمير المؤمنين ، وكما قلتُ قبل قليل : أخطرُ أعمال من أوتيَ مقاليد الأمور أن يختار مساعديه ، من الأكفاء ، الأكفاء جمعُ كفء ، أحيانا يتفاصح بعضُ الأشخاص يقول : من الأكفياء،الأكفياء جمع كفيف ، والكفيف من فَقَدَ بصرَه ، والكفء جمعه أكفاء ، والكفيف جمعه أكفَّاء ، والأكفاء جمع كفء ، جمعَ عديُّ بن أرطأة بين إياس والقاسم ، وقال : "إن أميرَ المؤمنين أطال اللهُ بقاءه أمرني أن أُولِّيَ أحدكما قضاءَ البصرة ، فماذا تريَانِ ؟ قال كلٌّ منهما عن صاحبه: إنه أولى منه بهذا المنصب " تصوَّر تبدُّلَ القيم ، العرب كانوا في تألُّقهم يقولون : المنيةُ ولا الدنيَّة، و العربُ في تخلُّفهم قد يكون لسانُ حالهم : الدنيةُ ولا المنية ، لذلك أحد الشعراء دخل السجن لأنه قال بيتًا عُدَّ أهجى بيتٍ قالته العربُ ، قال الحطيئة :
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لبُغيتها و اقعُدْ فإنك أنت الطاعمُ الكاسِي
وقد يكون هذا أمنيةَ كل إنسان ، وعلى كلٍّ كان كلٌّ منهما يثني على صاحبه و يقول : إنه أولى بهذا المنصب منه ، وذكر من فضله وعلمه وفقهه ما شاء اللهُ أن يذكر ، فقال عديُّ :" لن تخرجا من مجلسِي هذا حتى تحسما هذا الأمرَ ، فلا بد من أُولِّيَ أحدَكما ، فقال له إياسُ : أيها الأمير سَل عني وعن القاسم فَقِيهَي العـراق الحسنَ البصري ومحمد بن سيرين ، فهما أقدرُ الناس على التمييز بيننا " ، كان القاسمُ يزورهما ويزورانه ، و إياسٌ لا تربطه بهما رابطةٌ ، أي هناك علاقة بين القاسم و بين هذين التابعيين ، فلذلك قال له : اسأل عنا هذين التابعين ، فهما يزكِّيان ، فَعَلِمَ القاسمُ أن إياسًا أراد أن يورِّطه في هذا المنصب ، قال : أيها الأمير لا تسل أحدا عني ولا عنه ، أيها الأمير فواللهِ الذي لا إله إلا هو - أقسم - فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّ إياسًا أفقه مني في دين الله ، وأعلم بالقضاء ، فلا تسأل ، أنا أقسم لك ، فإن كنتُ كاذبا في قسمي فما يحلُّ لك أن تولِّيني القضاءَ ، وأنا أقترف الكذبَ ، وإن كنتُ صادقا في قسمي فلا يجوز لك أن تعدل عن الفاضل إلى المفضول " ، هذا كلام ليس له جواب ، أنا أقسم بالله أن إياسا أفضلُ مني ، وإن كنتُ كاذبا لا ينبغي أن تولِّيني القضاءَ لأني اقترفتُ جريمة الكذب ، وإن كنتُ صادقا لا يجوز لك أن توليني بعد أن ثبت لديك أنه أفضلُ مني ، فالتفت إياسٌ إلى الأمير ،وقال : أيها الأمير - اسمعوا الجوابَ الثالث - قال : إنك جئتَ برجل و دعوتَه إلى القضاء فأوقفتَه على شفير جهنم - ولقد صحَّ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ *
[رواه الترمذي]
وقد جعل أحدُهم تعديلا للحديث فقال : قاضيان إلى النار و قاضٍ إلى جهنم ، لا يوجد أحد ، قال : " أيها الأمير إنك جئت برجل ودعوتَه إلى القضاء و أوقفتَه على شفير جهنم ، فنجَّا نفسه منها بيمين كاذبة لا يلبث أن يستغفر اللهَ منها ، و ينجو بنفسه مما يخاف ، فقال له عديُّ : إنما يفهم مثلَ فهمك هذا لجديرٌ بالقضاء ، حريٌّ به ، ثم ولاَّه قضاءَ البصرة " انظُروا إلى هذا التعفُّف عن ذاك المنصب .
سألوا واحدا كاذبا : تحلفُ اليمين ، فقال : جاء الفرَجُ ، أحلف طبعا ، فالإنسان أحيانًا يلاحظ تغيُّرا شديدا في القيم بين الماضي والحاضر.
.
لازال هناك الكثير من سيرة هذا التابعي الجليل!!!!!!!!!!!!!!!!!
في انتظار ردودكم
دمتم في حفظ الله